الفنان رسمي الخفاجي واسترجاع الأثر البيئي

المقاله تحت باب  محور النقد
في 
08/02/2009 06:00 AM
GMT



( .. وحين تعاني الإنسانية من السقوط عند بليك, ترسخ
الحواس الإنسانية نفسها في دوائر منفصلة, فيعامل الرسام
البصر كحاسة متخصصة, حتى لكأن رسومه علامة اغتراب.
مع ذلك فهي أيضا تعويض عن فقدان اكتمال العالم الأصلي)
رامان سلون
 
 في الفرات الأوسط من العراق وفي مدينة الديوانية حيث نشأ وترعرع الفنان التشكيلي(رسمي الخفاجي)وسط حاضن  بيئي يتسع على مداه لجيرة أناسه ونخيل بساتين توزعت رقعة جغرافيا مقاطعتها الممتدة حتى تخوم الصحراء. فرات أوسط هو (السواد) منظورا إليه خضرة مكثفة كما تخبرنا كتب التاريخ أو الغزوات السالفة. خضرة هي بعض من غبار لطلع  النخيل وعبق أريجه الجنسي الولود. وبإصرار نادر تحدى ظروفه الخاصة ليواصل تعليمه الفني في معهد بغداد للفنون¸وليكتسب شرعية انتسابه لولعه التشكيلي بموازاة اكتسابه لمهاراته. ثم, وفي عام(1977) غادر بلده أو هجره تحت وطأت استشعار لبداية هجرة أفرغت العراق من مثقفي اليسار ومستقلي الرأي. وكانت وسط ايطاليا مستقره بعد رحلات عديدة. ولم ينسى رسمي درس الطبيعة الأول وهي ملهمته بأثر رجعي. مثلما لم ينسى غربته رغم تعدد حيواته الجغرافية والوجدانية. لقد بقيت تربة ملغزة تستوطنه, مثلما بقيت أطيافها اللونية تغمره وتعيد وهج شفق صيفي كان ملك ازمنتة المفقودة.
    الواقعية الخلوية الانطباعية في أعماله السابقة ليست كمثيلتها في الانطباعية الفرنسية. بل تظهر كمختبر يعزل من خلاله بعض مفردات الطبيعة ويغرسها وسط فضاء ميتافيزيقي يكرس الإنسان من خلاله, لا كمهيمن بل كعلامة فارقة غالبا ما تدل على تفرده أو وحشته. ليس سوى الشجر والبشر, والفضاء هنا حاضن رومانسي استرجاعي. وليس ثمة من حادثة أو حديث سوى الهمس وحسيس الريح أو الروح. والشجرة وهو مؤنثة بحملها تحاذي نساء الأرض التي تستظلها. عالم مؤنث متلاقح بوشائج نبوءة تسكن وجدان الفنان خلاصا من ذكورية كوارثيه تعم عالمنا المعاصر خرقا لكل ما هو جميل وعذب لحاضنتنا البيئية في كل زوايا كرتنا الأرضية التي لم تعد كروية بامتياز. مفردات رسومه لهذه المرحلة وهي شحيحة بتقنين تقنية لونية كثيفة لا تغادر منطقتها إلا لتعود إليها حاضن بيئي خلوي. ليس سوى الفضاء مفتوحا على افقه ولا من جدران أو من حيز داخلي يحتضن أناسه في جوفه, ربما خوفا من فقده لفضاء الروح والجسد. وهو الذي جرب فضاء حجزه عن مكان نشأته.
        الطبيعة والمرأة بعض من ابرز شواهد البيئة المؤنثة. ملكت أنوثتها حواس الفنان وباتت رسومه مفعمة بأطيافها. وان كان العمل الفني يمثل ولو بقد ما نوازع الفنان الباطنية, وبأقل, حصيلته الفكرية الذهنوية(في هكذا أعمال). فالأنوثة وهي بعض من عوامل الكبح لشراسة الذكورة سواء كانت سياسية, إيديولوجية  أو سلوكية حياتية, هيمنت على مشهديه أعماله. لذلك فان تجربته تقع على الضد من معظم التجارب التشكيلية العراقية الذكورية وهو منجز لم يتعب من تهديم بناءاته, شطبها, تعفيرها , تحزيزها, خرقها. سطوح معلنة شراستها وسادرة في نهج تهويم خشونة صنعتها. وان كان الزمن العراقي وغل في تمزقه, فلا يعني ذلك فقداننا لبركة الجمال صنوا للنقاء ونحن بأحوج ما نكون له. وليس في الهدم وحده نعبر عن ميزة اعتراضنا. فللجمال وسائله الاعتراضية. ورفض العنف لا يستوجب أيضا الإشارة إليه دوما. وان كانت الإشارة مطلوبة أحيانا, فعلينا عدم تكريسها لكل أزمنتنا. وان لم يكرسها رسمي بشكل واضح. فلكونه يرفض العنف أساسا شرعة قابلة للإثارة. ويفضل توحده وعنصر جمال الطبيعة ملاذا تطهيرا لزمن طالت غربته وأيام بعد نأيها.
      لم يبتعد هذا الفنان في مائياته الأخيرة عن ولعه الخلوي. لكنه خضعها لمنولوج لوني واحد(مونوغرام). مكرس الهيمنة أو العزلة- التوحد. طغيان عناصر الطبيعة وضآلة الإنسان هي الإشارة الأولى. لكنها إشارة وهمية. فبقدر ما تشكل وضوح معناها. فإنها تغادره إلى مدلولات أخرى. إذ ربما يكون هذا الإنسان ألمجهري ليس إلا شاهد على ضآلة حجمه تجاه سطوة حاضنه الطبيعي. أو ربما يمثل بمحدودية حجمه سطوة خفية هي مصدر تأمل, أو عبث وجودي. أو هو مجرد ملحقة زائدة. أو بعض من فيض مجهري لا يختلف عن المخلوقات الأخرى إلا بحاسة استشعاره العالية. هيمنة حجوم ظلال أناسه المجهريين الغامضين على سطوح ومنحدرات بيئته سواء كانت غابة شجر أو توأم جبال. شهادة غامضة لرجع أزمنة غامضة. أحلام طفولة لم تبرح نشأت بستان أحلامها الأول. وان شكلت هذه الرسوم لغزا, فانه يبقى شهيا مفعم بلذائد حسية غالبا ما نفتقدها. وان بدا الإنسان, وهو أنثى دوما, يشكل مفردة عمله الوحيدة أحيانا. فانه لا يخلو من انتماء لعناصر الطبيعة, إما تمثيلا أو محمولا. وما منحنيات هذه الأجساد إلا وديان استيطانية أخرى.
     شخوص الطبيعة عمودية مغروسة وسط تربتها, عن مجهريات طبيعية أخرى. لكنه مع كل ذلك يبقى العلامة الفارقة للعديد من هذه الرسوم. لقد أكد الفنان كل هذه الافتراضات بتك غالبا ما تكون في حبريات أو مائيات الفنان مكتظة لحد فقدان ملمح التربة الأفقي ولتشكل أفق مرادف. مما يؤكد نزوع الفعل الأستلقائي(والاستلقاء نزوعا تأمليا) بموازاة سطح التربة الأم, رغم جذر فعلها العمودي. مثلما اوحت له هذه الفعلة الإيحائية الاستلقائية استيحاء متوازيات أجساد أنثوية أفقية متبادلة انشطاراتها وهواجسها البيئية. وان تفردت بعض شخوصه بهيئة عمودية, فإنها مع ذلك تبقى اقرب إلى حلم الشجر غرسا يتضوع بعطر ثماره, وليس إلا مناجاة أو حوار خفي يتبادل خطوط الوصل عبورا ما بين  هذه الشخوص الإنسانية وجزيئات الطبيعة المؤنسنة الأخرى. حوار يلغي نبرة العنف لصالح خفة روحه وريشته, أداءه التنفيذي لأعماله المائية هذه يتسم أيضا بقدر من الموازنة مابين الفكرة الخاضعة لمعالجات تصميمية, وما بين اللعب عليها بخفة الروح وبعناية الإخراج كفنتازيا لا تحمل من صرامة خطوطها التصميمة إلا وهمها الذي استحوذ على ذهنه لحضه تنفيذه الأولى.
       رسوم رسمي المتأخرة تستحم بفضاء يكرس الصفاء منولوجا يقصي عناصر التصادم لصالح تآلف مفرداته البيئية. وثم برد كثير يغلفها. فن بارد, فن حار. ليس بالمقياس الحراري المعروف, بل بخضوع محركات الإبداع وإجراءاته التنفيذية لديناميكية ردود الفعل العاطفي بعنف موازي, أو بإجراءات تجاوزت هذا العنف بعد أن خبرت عدته عمرا محايثا لحدوده. ورسمي كغيره من عديد  مثقفي العراق لحقبة الستينات أو السبعينات ولجو منطقة جذب ملغزة تقع ما بين قطبي الإرث الماركسي الرومانسي وأرث التصوف الوجداني, وأعماله تقبع في منطقة حياد وسط القطبين.       
  لم تفقد رسومه الأخيرة نصوصا تدوينية وجدانية تتسلل عبر ثناياها, ليس إقحاما زخرفيا, أو مهارة حروفية كلاسيكية. بل كنسج هو اقرب لقطرات المطر حين امتزاجها بالتربة. وبمعنى ما, هي تربة ترتوي بنسغ وجداني هو بعض محمولاتنا الثقافية المهاجرة. وهجرة الثقافة كهجرة الروح موصولة بسرة الوطن ومشدودة بأوطاننا الأخرى.  
    ليس استحواذ اللون الواحد(الميكركروم) في رسومه المائية المتأخرة على اهتمامه إلا نوعا من استراحة تعويضية لخرق الملونة لشروط الفعل الفني الأبتكاري, وشراسته أحيانا. هي استراحة لاسترجاع نبض الإبداع بعيدا عن اكتظاظ تهويمات الملونة بعد استهلاك مقدرتها الأجتراحية لخلق الفعل الإبداعي بموازاة الحالة النفسية والذهنية المستجدة للفنان, بعد استهلاكه لكم التعبير بمتشعبات أدواته, سواء كانت ألوانا أو تفاصيل فائضة. استراحة تلبي الحالة الجديدة التي هي اقرب إلى كفاف الفعل التعبيري منها إلى عنف وهجه. وأعمال رسمي الأخيرة تتمتع بكفافيتها الأدائية ضمن فضاءات مسترخية تحاول جس نبض الطبيعة بفعل إدراكي انسانوي. الفنان فيه  يقبع وسط عزلته مفككا علاقات مكوناتنا الوجدانية بشذرات الوصل البيئي الذي لا تفارق مخيلته خرقا لأطياف تتشابك فيها أزمنته المهجورة وأزمنته المهجرة وأزمنة أخرى ربما هي الأيسر والأكثر وضوحا. ويبقى فعل الدلالة, وهو هنا إشارة لسعادة هي بعض من نبض روحه تدوم خلل رسومه, شهادة لزمن أمكنة تتمتع بنقاء معلن. وعلينا أن نعايين هذه الرسوم ليس بما تظهره من مهارات أدائية, بل بما تختزنه من محركات جزئياتها السرية بمحاذاة أمنياتنا الخفية ونزوع روحنا للخلاص من اكتضاض تفاصيل معاشة تعيق استمتاعنا بنسائم فضاء السهل والشجر والجسد الأول.